عند تصميم محطة ري، يصب المستثمر جل اهتمامه على ماركة الألواح وقوة المضخة، معتبراً أن باقي المكونات مجرد "إكسسوارات" يمكن التوفير فيها. الضحية الأولى لهذا التفكير الخاطئ هي "شبكة الكابلات". الحقيقة الهندسية الصادمة هي أن اختيار كابلات بمقطع غير مناسب (أرفع من اللازم) لا يوفر المال، بل يقوم بحرق الطاقة التي تولدها الألواح على شكل حرارة داخل السلك بدلاً من تحويلها لمياه. في عالم طاقة شمسية للآبار، الكابلات هي الشرايين التي تنقل الحياة، وأي ضيق في هذه الشرايين يعني "جلطة" في إنتاجية المياه قد تصل خسائرها إلى 20% أو 30% يومياً.
فيزياء الهبوط في الجهد (Voltage Drop): لماذا تضعف المياه؟
الكهرباء عند مرورها في أي سلك تواجه مقاومة طبيعية. كلما زاد طول السلك وقل سُمكه (مساحة مقطعه)، زادت هذه المقاومة. النتيجة الحتمية لهذه المقاومة هي ما نسميه "الهبوط في الجهد".
تأثير هذا الهبوط على المضخات كارثي لأن عزم دوران الموتور (Torque) يتناسب طردياً مع مربع الجهد. بمعنى أبسط: انخفاض الجهد بنسبة 10% فقط يؤدي لانخفاض عزم المضخة بنسبة 19%. هذا يعني أن المضخة ستدور، ولكنها لن تمتلك القوة الكافية لرفع عمود المياه الثقيل من باطن الأرض، فتعمل لساعات طويلة دون أن تخرج نقطة مياه واحدة، أو تخرج مياه ضعيفة جداً.
النحاس أم الألومنيوم؟ صراع التكلفة والكفاءة
مع ارتفاع أسعار النحاس عالمياً، يلجأ الكثيرون لاستبدال الكابلات النحاسية بكابلات الألومنيوم لتقليل التكلفة الإنشائية. هندسياً، هذا مقبول ولكن بشروط صارمة يجهلها الكثير من المقاولين غير المتخصصين:
- معادلة التعويض: الألومنيوم أقل توصيلاً للكهرباء من النحاس. لاستخدامه، يجب زيادة سُمك الكابل بنسبة لا تقل عن 60%. (مثلاً: استبدال كابل نحاس 10 مم بكابل ألومنيوم 16 مم).
- مشكلة الأكسدة: الألومنيوم يتفاعل مع الهواء ويكون طبقة عازلة تسبب سخونة نقاط التوصيل. يجب استخدام "نهايات ثنائية المعدن" (Bi-metal Lugs) عند ربط كابل ألومنيوم بجهاز نحاسي (مثل القاطع أو الإنفرتر) لمنع التآكل الجلفاني الذي قد يسبب حريقاً.
استخدام الألومنيوم دون مراعاة هذه الفروقات هو وصفة مؤكدة لفشل المحطة بعد فترة قصيرة.
المسافة القاتلة: متى يجب عليك تقريب الإنفرتر من البئر؟
في تصميم محطات طاقة شمسية للآبار، المسافة هي العدو. لدينا مسارين للكهرباء:
- مسار التيار المستمر (DC): من الألواح إلى الإنفرتر.
- مسار التيار المتردد (AC): من الإنفرتر إلى المضخة الغاطسة.
القاعدة الذهبية هي: "اجعل مسار DC أقصر ما يمكن". الفقد في التيار المستمر يكون أعلى وتكلفة كابلاته (المخصصة للشمس) أغلى. لذلك، يفضل وضع غرفة الإنفرتر بالقرب من مصفوفة الألواح، ثم مد كابلات AC (الأرخص والأكثر تحملاً للمسافات) من الغرفة حتى رأس البئر، مع الحرص بالطبع على حسابات سمك الكابل بدقة إذا زادت المسافة عن 100 متر.
كابوس الوصلات المدفونة (Underground Joints)
أحياناً تكون بكرة الكابل أقصر من المسافة المطلوبة، فيقوم الفني بعمل "وصلة" (لحام) في منتصف الطريق ودفنها في الرمال. هذه الوصلة هي "قنبلة موقوتة".
- الرطوبة والأملاح في التربة تتسلل بمرور الوقت إلى داخل الوصلة.
- يحدث تسريب كهربائي (Earth Leakage) يؤدي لفصل الإنفرتر باستمرار.
- تحديد مكان الوصلة المدفونة لاحقاً للإصلاح هو عملية مكلفة وصعبة جداً.
يجب الإصرار على استخدام كابل "قطعة واحدة" من الإنفرتر وحتى المضخة. وإذا كانت الوصلة حتمية، يجب أن تتم فوق سطح الأرض داخل غرفة تفتيش، أو باستخدام علب وصل راتنجية (Resin Kits) معتمدة للعزل المائي الكامل.
الخاتمة
الكابلات هي الاستثمار الذي تدفعه مرة واحدة ليعيش معك عمر المحطة. التوفير بضع آلاف في شراء كابلات رديئة أو رفيعة سيكلفك أضعاف هذا المبلغ في صورة سولار لتشغيل المولد عندما تعجز المحطة الشمسية عن تشغيل البئر بكفاءة.
في نيو اينرجي (Neo Energy)، نقوم بإجراء حسابات هبوط الجهد (Voltage Drop Calculations) باستخدام برامج هندسية دقيقة لكل مشروع، لنضمن لك أن كل واط تنتجه الألواح يصل كاملاً إلى مضختك، لتتدفق المياه بأقصى طاقة ممكنة.